قالوا

 يعيش الجميع اليوم عصر الثورة المعلوماتية التي تنتشر فيها الأفكار و المعلومات بسرعة و سهولة من و إلى أي بقعة من بقاع العالم، و لكن ما فائدة هذا الكم الهائل من المعلومات في ظل هيمنة رأي واحد و فلسفة واحدة على نوعية هذه المعلومات، و أعني بذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعكس بمثل هذه الأفعال حقيقة العالم الذي تمثله و تريد في نفس الوقت.

الأستاذ علي السكري
من الذي صام؟ الدرازيون أم النعيميون؟   |    في ذمة الله الشَّابة زهراء عبدالله ميرزا صالح   |   ذمة الله تعالى الحاجة جميلة حسن عبدالله    |   على السرير الأبيض الحاج خليل إبراهيم البزاز أبو منير    |   برنامج مأتم الجنوبي في ذكرى ولادة السيدة الزهراء    |   في ذمة الله حرم الحاج عبدالله سلمان العفو (أم ياسر)   |    في ذمة الله الطفلة زهراء جابر جاسم عباس   |   نبارك للأخ الطالب محمد حسن علي ثابت حصوله على الماجستير في إدارة الأعمال    |   رُزِقَ الأخ عبدالله علي آل رحمة || كوثر || 12/12/2021   |   دورة تغسيل الموتى    |   
 
 الصفحة الرئيسية
 نبذة تاريخية
 أنشطة وفعاليات
 مقالات
 تعازي
 شخصيات
 أخبار الأهالي
 إعلانات
 النعيم الرياضي
 تغطيات صحفية
 ملف خاص
 خدمات الشبكة
 المكتبة الصوتية
 معرض الصور
 البث المباشر
 التقويم الشهري
 أرسل خبراً
 اتصل بنا
 
تغطيات صحفية
 
إصلاح مناهج التعليم الديني ...قيمُ الاجتهاد وإسناد مسيرة الإصلاحيين
كريم المحروس - 2007/01/11 - [الزيارات : 10579]

 

                                        إصلاح مناهج التعليم الديني..

                              قيمُ الاجتهاد وإسناد مسيرة الإصلاحيين

 

كريم المحروس

 

اعتنى مصلحو مناهج الدراسات الدينية بين القرنين الثامن عشر والعشرين الميلاديين بمبدأ الاجتهاد في الدين ومسيرته ومفاهيمه، وما خلفه من آثار على الصعيدين الإيجابي؛ بما له من دور في نمو حركة المدارس الفقهية ومناهجها الدينية، والصعيد السلبي بما طبعه من صور باهتة سُخرت في خدمة أغراض سياسية أو شخصية بعيدة كلّ البعد عن الشأن العلمي، وذلك عقب الانقطاع المباشر لهذه المدارس عن عهد التشريع. وقد أولى المصلحون المخلصون اهتماما فائقا بدور المدارس الدينية التي تبنّت عملية الاجتهاد وساندتها. إلى جانب ذلك؛ عارضت قوى المصالح الذاتية هذه العملية وحاربتها وتمسّكت بحرفية النصّ ووقفت ندا لحركة الاجتهاد. وكان من بين مبادئ المصلحين المهمة؛ تأصيل مسيرة الإصلاح وإسناد مشروعيتها إلى ركائز متينة على طريق إخراج عملية الإصلاح على أحسنها، إلى جانب اعتمادهم الكلي على الموروث المُؤكّد على دعم مشروعية التجديد إزاء مناهج الدراسات الدينية التي بدت في بعض جوانبها جامدة وبعيدة عن المنهجية في الأساليب والمضامين والمفاهيم، وما تركته من انعكاسات على ذات المؤسسة التعليمية الدينية وأهدافها وقاعدتها الاجتماعية العريضة.

من هنا كان مفهوم الاجتهاد ومهماته وما تمخّض عنهما من شدّ وجذب حَسن خلال هذه المسيرة؛ مبعثا مهماً على جدية إعادة النظر في بعض ما ورد من مواقف صنعتها جهات الجمود على شروح وتعليقات النص، وكان الاجتهاد حاضرا أيضا في مراحل إثراء العلوم الدينية وتنمية المؤسسات التعليمية الدينية بأشكالها المختلفة على رغم تميّزها ببطء في الحركة والقصور في بعض أطرافها. ولم تكن كل تلك الجهات المتبنية لمهمة الاجتهاد ووظائف التجديد منزهةً عن الزلل والقصور أو الميل لدوافع ذاتية أنانية. وكان للظروف الموضوعية أيضا دور كبير في انحراف حركة الاجتهاد ووظائفها في مراحل تاريخية مختلفة، فضلا عن خروجها على مراميها الشريفة في كثير من الأحوال، كما هو الحال بالنسبة لحركة السيد احمد خان في الهند الذي أقام مدرسة دينية غريبة الأطوار والمناهج لم يتردد المصلح الكبير السيد جمال الأفغاني في اتهامها بـ’’الإلحاد’’. من هنا كان بروز مدارس اجتهادية متباينة الآراء والمواقف يبدو في شكل مواز لبروز حركات أخرى معارضة لأي لون من ألوان الاجتهاد.

إن حركة الإصلاح والتجديد تبدو طارئة ومعقدة بين أروقة المؤسسة التعليمية الدينية، وبمقدار ما ساهمت في تبادل الدعم مع حركة الاجتهاد وتطوّرها بشكل غير مباشر؛ ساهمت أيضا من جهة أخرى - ومن خلال تدخل مباشر أو غير مباشر من قبل الأنظمة السياسية الحاكمة في مسيرة عدد من الدول المتعاقبة على سدة الخلافة - في تحولات خطيرة بين جهات التمسك بحرفية النصّ التي كانت تُشكّل زعامة الاتجاه العام الغالب في الأمة، ما أدى إلى زيادةٍ في التخلف والتراجع، إلى جانب تقدم بدا واضحا في درجة الولاء السياسي للسلطة والبيعة لأسباب أمنية واقتصادية غالبة. وانعكست هذه الأدوار على مسيرة النهضة التعليمية الإصلاحية نفسها، إيجابياً في ناحية تحدّيها وإصرارها على تحقيق الفوز والانتشار، وسلبيا في ناحية تشدّد موقف زعامة حركة الجمود على النصّ ضد أية محاولة إصلاحية تمسّ - حسب تصوّرها- النصّ تحت مسمى الإصلاح ومقاصده السياسية.

وهو الأمر الذي جعل جهود الإصلاح بطيئة وساهم في استنزاف الكثير من طاقاتها وقدراتها.

ولم تكن جهود الإصلاح الراهنة بدعا في الدور والمسؤولية الإصلاحية. فقد تميّزت بالجمع بين مسيرتين شرعيتين: مسيرة التبنّي لمصادر التشريع التي حثّت على الاجتهاد ودوافعه الإنسانية والثقافية والدينية، وأخذت بالمتغيرات البشرية وعالجتها، إلى جانب تبنّي سيرة الاجتهاد ومعطياتها وسيرة المجتهدين الذين لعبوا دورا مهما. وكان من نتائج ذلك: إثراء العلوم الدينية، وإدخال المؤسسة التعليمية في مراحل انتقالية همّها الأول تنمية التراث العلمي الضخم والمحافظة على حيوية النصّ، ودعم ظاهرة انسجام حركة تطوّر العصر مع مضامين هذا التراث ودلالاته. هذا الجمع أضاف الكثير من المحفّزات عند رموز الإصلاح، بينما سلك معارضوهم طريق التمسّك بقوّة التقاليد التعليمية، والدفاع المستميت من دون عطاء السلف وما توصّل إليه من سقفٍ لا يمكن - حسب ظنهم- تجاوزه أو توظيفه لمتطلبات إنسانية حديثة مع قرب عهد هذا العطاء من مرحلة التشريع، ما أوحى إلى أن مفاهيم هؤلاء المعارضين كانت تتقمّص دور الدفاع دون قداسة التراث العلمي وتصويبه بالمطلق، الأمر الذي كان بالنسبة لهم مدعاة لتجنّب الانخراط في التحولات الكبيرة نحو مبدأ الاجتهاد وتفضيل خيار مبدأ التقليد أمام القائلين بمبدأ الاجتهاد.

ويؤكد أتباع السلف أيضا على أن الإصلاح قد يحفّز على تمرّد الأمة على مصادر التشريع، ويُجرّئ على خرق الكثير من أحكامها ورموزها، فضلا عن احتمال حصول انتكاسةٍ قد تمسّ النظرة القدسية للوليد الجديد (الاجتهاد) في مراحل تاريخية متقدمة فيما إذا لم يُوفق المجتهدون في المتبنى الجديد، ما يسقط سِيَراً ومراحل تاريخية متقدمة يُظن أنها كانت مزدهرة على أرضية علمية خصبة، وقيام تحوّل غير مشروع عن الشريعة الغراء وعن ذات المفهوم المستجد للاجتهاد. وفي ذلك، انتهى النزاع بين رموز الاجتهاد ورموز التقليد إلى فوز ساحق لحركةٍ الاجتهاد عند الشيعة الإمامية بعد مخاض عسير بينها وحركة المحدثين ‘’الإخبارية’’ التي جمدت على الاحتياط ورفضت ‘’الاجتهاد’’ في شكٍّ منها بأنه وليد اتجاه ‘’الرأي’’ المعتمد لدى اتجاه الخلافة، ما أدى إلى تحول كبير في كل ما تقدم من موروث علمي، كما أدى إلى تطورٍ في مؤسسة التعليم الديني التي بدأت تخرج على بعض تقاليدها في معالجة النص، وسجّلت في ذلك مساهمات كبيرة كان لها شأن في تعظيم فرص الإصلاح وتهيئة سبل النجاح للوصول إلى ما كانت تصبو إليه من تطوير وحداثة في دعائم المسار التاريخي للأمة، الأمر الذي قرّبها من وظيفة تزعّم الأمة نحو نهضتها في العصر الحديث.

 

غلق باب الاجتهاد

 

وإزاء ذلك، نجحت في الجهة الأخرى حركة التقليد بعد غلق باب الاجتهاد على المذاهب الأربعة عند اتجاه الخلافة، وأعان على ذلك متبنياتُ الدول المتعاقبة لفقه هذه المذاهب وعقائدها وفقا لما أملته مصالحهم السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل رواد هذه الاتجاهات ينغمسون في صراع مرير فيما بينهم، وينحدرون عن مسيرة متأخرة جدا على المسيرة العلمية الحديثة. من هنا أتت أهمية الرجوع إلى حقيقة الاجتهاد ومسيرته التاريخية وانعكاساته على ورؤى رموز الإصلاح التي نبذت مشروع الانقلاب ذي المفهوم المشكك والقائم على إرادة إخضاع الحاكم للمصالح أو المقاصد بدعوى تبني الإصلاح والتجديد، كما في بعض الاجتهادات الفقهية عند اتجاه الخلافة، فذلك مما أخرج الأمة ومؤسساتها التعليمية عن حال تطورها الحضاري في إطار النص والأدلة التفصيلية واتجه بها إلى حال التطرف وفتاوى الإرهاب بلا أية قيمة علمية أو أخلاقية جادة.

والحال أن ‘’ ثمة معايير داخلية (من النصوص تعتمد تراتبية القيم) ، وثمة معايير خارجية (لكشف الموضوع الخارجي وكم المصالح الخارجية). ففي سيرة أمير المؤمنين الإمام علي (ع) نموذج معصوم لعلاج تعارض القيم والمصالح. فلم يقدّم الإمام الأمنَ على العدل بمصادرة الحريات، ولم يُسقط الحقوق للمعارضين. ففي معركة الجمل، حينما انتصر على الفريق الآخر، حرّم على جيشه الاستيلاء على أموال المهزومين. فينبغي استبدال تعبير (المقاصد) بـ (المصالح). فالأمن والعدل والحرية وغيرها؛ هي مصالح. وعليه؛ ندرك أن المصالح في تطبيقاتها نسبية. نعم؛ المصلحة العليا نظريا مطلقة، لكن مصاديقها متفاوتة.

حداثة ومغالطات تقليدية

هناك مغالطة وردت في معنى الاجتهاد أُثيرت في بعض مؤلفات الحداثة في الفكر المعاصر، حيث سعت إلى جعل الإصلاح فكرةً شمولية بديلة عن معنى الاجتهاد أو مرادفا له في الفكر الإسلامي، بينما يعدّ الإصلاح في حقيقته أمراً جزئيا في الاجتهاد. وهذه مما يجب أن يُستعرض في محافل المعرفة حتى يُميّز المراد من الاجتهاد في الفكر الإسلامي. وقد اقتبس معنى الاجتهاد من المجهود المبذول واستفراغ ما بالوسع في فعل من الأفعال، على أن يكون في هذا البذل كلفة. وقد اختص هذا اللفظ في عهدَي التشريع والتعامل المباشر مع النصوص بوصف المتعبدين الذين يستفرغون جُلّ ما في وسعهم في التقرب إلى الله تعالى. وكان الفقيه المجتهد بعد عهد التشريع يُوصف بـ’’الفقاهة’’. لكن لفظ ‘’المجتهد’’ اختص بعد ذلك في عُرف العلماء وتقاليد المؤسسة التعليمية الدينية بجهد الفقيه المبذول على طريق العلم بحكم من الأحكام الشرعية بعد استفراغ الجهد في عملية استنباط معقدة من النصوص الدينية، إضافة إلى وصول الفقيه المجتهد في حركته النشطة هذه إلى كشف الأصول والقواعد الفقهية، ومن ثمّ إخراج الأحكام إلى الواقع الخارجي ومتعلقاته بشكل يظل متجددا من فقيه إلى آخر ومن زمن إلى آخر مع اختلاف في التطابق تبعا لاختلاف الحوادث الواقعة وموضوع كل قضية.

 

تعدّد معاني الاجتهاد

 

يعّرف ابن الأثير في كتابه’’نهاية اللغة’’ في مادة جهد، الاجتهاد، بالقول: ‘’الاجتهاد بذل الجهد في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد الطاقة’’. وفي هذا المعنى - تبعاً لابن الأثير - استعمل على عهد الرسول وأصحابه إلى آخر القرن الأول. فقد ورد عن رسول الله (ص): ‘’فضل العالم على المجتهد مئة درجة’’. ونعرف من هذه الموارد ونظائرها؛ أن المتبادر من الاجتهاد في القرن الأول؛ هو بذل الجهد. ثم تطوّر مدلول الاجتهاد لدى المسلمين، وأصبح يدلّ في اصطلاحهم على استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية. يقول الغزالي في تعريف الاجتهاد: ‘’هو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا في ما فيه كلفة وجهد... ولكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد ووسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة. ويعّرف ابن حزم الاجتهاد بأنه ‘’استنفاد الطاقة في حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم، لأن أحكام الشريعة كلها متيقن أن الله قد بينها بلا خلاف، وهي مضمونة الوجود لعامة العلماء، وان تعذر وجود بعضها على بعض الناس، فمحال ممتنع أن يتعذر وجوده على كلهم، لأن الله تعالى لا يكلفنا ما ليس في وسعنا، وما تعذر وجوده على الكل فلم يكلفنا الله تعالى إياه’’.

هذا التعريف كان مقيّدا بأتباع اتجاه الخلافة ومقصورا عليهم. وقد شاع هذا الاصطلاح لدى رجال العلم في اتجاه التشيع بشكل مماثل تقريبا بعد القرن الخامس الهجري، كما ورد في كتاب مبادئ الأصول للعلامة الحلي (ت:726هـ ) ما ملخصه: ‘’الاجتهاد’’ هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعية، على وجهٍ لا زيادة فيه’’. ويذهب المحقق الأخوند الشيخ كاظم الخراساني (أحد كبار فقهاء ومجتهدي اتجاه التشيع في النجف)، في كتابه ‘’كفاية الأصول ‘’ إلى أبعد من التعريف اللغوي والاصطلاحي للاجتهاد، إذ يُبحر في مناقشة عددٍ من التعاريف ومكمن الخطأ فيها، وذلك بالقول: ‘’الاجتهاد لغة: تحمّل المشقة، واصطلاحا كما في قولي الحاجبي والعلامة الحلي: استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، وعن غيرهما: ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قوة قريبة’’. ويرى الشيخ الأخوند الخراساني أن في تعريفاتهم لاصطلاح الاجتهاد اختلافٌ، إذ إنهم أشاروا إليه بلفظٍ لا ينسجم مع المفهوم، أو أن المفهوم لا يدلّ على اللفظ المستعمل والمراد منه. ويؤكد الأخوند حاجة الاجتهاد إلى التنوع في العلوم خصوصا علم الأصول ومبانيه الذي يعتبره عمدةً وضرورة، كما يذكر أيضا إلى أن الحاجة إلى عملية الاجتهاد ليست بمستوى واحد، وإنما تبعا لاختلاف الأزمان والأشخاص.

وعلى رغم الاختلافات في تعريف الاجتهاد بين فرق المسلمين والمتعددة إلا أن الأكثر أهمية أيضا ما كان يترتب على الأحكام الصادرة عن المجتهد. فقد اختلف في مطابقة حكم المجتهد لحكم الله سبحانه وتعالى في الواقعة الواحدة. إذ’’اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات، واختلف في الشرعيات، فقال أصحابنا (والقول للشيخ الخراساني) بالتخطئة فيها أيضا، وأن له تبارك وتعالى في كل مسألة حكم يؤدي إليه الاجتهاد تارة والى غيره أخرى. وقال مخالفونا بالتصويب، وأن له تعالى أحكاما بعدد آراء المجتهدين، فما يؤدي إليه الاجتهـاد هو حكمـه تبارك وتعالى’’. (الكفاية، ص 468).

ويفسر السيد محمد تقي الحكيم خريج النجف الأشرف في كتابه’’الفقه المقارن’’، كلام الأخوند الأخير بالإشارة إلى تقسيمي الاجتهاد إلى المعنى العام والمعنى الخاص وفي ذلك يتفق مع الأخوند في مدى الاختلاف في تحديد معنى الاجتهاد. فالعالمان الأخوند والحكيم، كلاهما يمثلان بيئة علمية واحدة، موقعها النجف الأشرف. فيقول الحكيم:’’إن الاجتهاد في الاصطلاح مختلف في تحديده’’.

فالاجتهاد بمفهومه العام ‘’قد اختلفت كلماتهم في تحديده اختلافا كبيرا، والذي عليه الآمدي والعلامة الحلي وابن الحاجب هو أخذ الظن في التعريف’’. (الحكيم، ص 561). فهذه التعريفات في نظر السيد الحكيم، كما الأخوند، لا ترقى إلى أن تكون شاملة في إظهار المعنى الحقيقي للاجتهاد، وتتســم بثغــرات تثير مجال الاعتراض والنقـــاش، فاقتصارها على ذكر الظن في نصوصها’’يجعلها غير جامعة تارة وغير جامعة ولا مانعة أخرى’’. وبعد دراسة مستفيضة لهذه التعريفات وما يرد عليها من إشكاليات قابلة للنقاش، يستعرض الحكيم تعريفه الخاص المنتزع مما تبنته مدرسة النجف الأصولية، وليتفادى من خلاله النواقص والإشكاليات ‘’فالأنسب - فيما نرى - أن يعرف بـ’’ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، شرعية أو عقلية’’. (الحكيم، ص565).

 

الاجتهاد عند اتجاه الخلافة

 

وأما الاجتهاد بمفهومه الخاص عند اتجاه الخلافة ‘’فقد عرفه الأستاذ خلاف بـ’’بذل الجهد للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه’’، بينما رادف الشافعي بينه وبين القياس، فقال: إنهما’’اسمان لمعنى واحد’’. وفي رأي أبى بكر الرازي أن الاجتهاد يقع على ثلاثة معان: أحدهما القياس الشرعي. لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز وجودها خالية عنه لم يوجب العلم بالمطلوب، فذلك طريقة الاجتهاد. والثاني ما يغلب في الظن من غير علة، كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم. والثالث:الاستدلال بالأصول. () والظاهر أن لفظة الاجتهاد - بمفهومها الخاص - مرادفة لديهم لمفهوم’’الرأي’’، والمعاني الأخرى من قبيل المصاديق لهذا المفهوم، وقد وقع الاشتباه نتيجة للاختلاط في استعماله بين المفهوم والمصداق’’ (ن.م).

ويبقى أن’’الاجتهاد في عرف علماء مدرسة الخلفاء استنباط الأحكام عن طريق الكتـــاب والســـنة والقياس. وفي عرف علماء مدرســـة أهــل الــبيت مســاوق للفقه، وتتــفق المــدرستان في الأخذ بكل ما ورد في كتاب الله وكل ما ثبت لديهم من سنة الرســـول’’ (معاــلم المدرسـتين، مرتـضى العسكـري، م2 ص361).

إن عملية الاجتهاد تظلّ فاعلة متصلة بالواقع وتتجدّد مع تجدده طولا وعرضا. تتجدد في دائرة معارف الفقيه ورؤيته الفلسفية للدين والحياة، وتنمو وفقا لتطوّر الحياة ووسائلها، وتتسع وفقا لتفاعل الفقيه المجتهد ذاته مع محيطه الاجتماعي في مختلف جوانبه، لأن مقاصد الفقه والاجتهاد تجعل من المحيط الاجتماعي مادتها في الحركة والتطور والتراكم، كما تجعل من الحياة العلمية ومادتها ووسائلها ووسائطها معينا في كشف القواعد العامة وبلورتها بعد تراكم الأحكام وتعددها في مجالات التعرف على طبيعة القضايا المبتلى بها وتشخيص ظروفها ومعطياتها. من هنا نجد أن هناك الكثير من الأحكام والرؤى والقواعد الفقهية الصادرة عن المجتهد هي محل اختلاف بين مذهب وآخر في المرحلة الزمنية الواحدة المختلفة، وبين فقيه وآخر في المذهب الواحد في بعض الأحيان. والأمر في نهاية المطاف يرجع إلى المجتهد ذاته وما تحصّل من علوم ومستوى معرفي ديني ومدى تفاعله مع محيطه الاجتماعي والحضاري، وشدة تقواه والتزامه بتعاليم الدين والشروط الأخرى الواجب توفرها في الفقيه المجتهد، إضافة لرؤيته لمفهوم الاجتهاد وضرورات تسخيره لخدمة العلوم والمنهج والمؤسسة العلمية.

 

 

 

طباعة : نشر:
 
يرجى كتابة التعليق هنا
الاسم
المدينة
التعليق
من
رمز التأكيد Security Image
 
جميع الحقوق محفوظة لشبكة النعيم الثقافية © 2003 - 2026م